القرطبي
316
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
السابعة والعشرون - أما الهدي فلا خلاف أنه لا بد له من مكة ، لقوله تعالى : " هديا بالغ الكعبة " . وأما الاطعام فاختلف فيه قول مالك هل يكون بمكة أو بموضع الإصابة ، وإلى كونه بمكة ذهب الشافعي . وقال عطاء : ما كان من دم أو طعام فبمكة ويصوم حيث يشاء ، وهو قول مالك في الصوم ، ولا خلاف فيه . قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : ولا يجوز إخراج شئ من جزاء الصيد بغير الحرم إلا الصيام . وقال حماد وأبو حنيفة : يكفر بموضع الإصابة مطلقا . وقال الطبري : يكفر حيث شاء مطلقا ، فأما قول أبي حنيفة فلا وجه له في النظر ، ولا أثر فيه . وأما من قال يصوم حيث شاء ، فلان الصوم عبادة تختص بالصائم فتكون في كل موضع كصيام سائر الكفارات وغيرها . وأما وجه القول بأن الطعام يكون بمكة ، فلانه بدل عن الهدي أو نظير له ، والهدي حق لمساكين مكة ، فلذلك يكون بمكة بدله أو نظيره . وأما من قال إنه يكون بكل موضع ، فاعتبار بكل طعام وفدية ، فإنها تجوز بكل موضع . والله أعلم . الثامنة والعشرون - قوله تعالى : ( أو عدل ذلك صياما ) العدل والعدل بفتح العين وكسرها لغتان وهما المثل ، قاله الكسائي . وقال الفراء : عدل الشئ بكسر العين مثله من جنسه ، وبفتح العين مثله من غير جنسه ، ويؤثر هذا القول عن الكسائي ، تقول : عندي عدل دراهمك من الدراهم ، وعندي عدل دراهمك من الثياب ، والصحيح عن الكسائي أنهما لغتان ، وهو قول البصريين . ولا يصح أن يماثل الصيام الطعام في وجه أقرب من العدد . قال مالك : يصوم عن كل مد يوما ، وإن زاد على شهرين أو ثلاثة ، وبه قال الشافعي . وقال يحيى بن عمر من أصحابنا : إنما يقال كم من رجل يشبع من هذا الصيد فيعرف العدد ، ثم يقال : كم من الطعام يشبع هذا العدد ، فإن شاء أخرج ذلك الطعام ، وإن شاء صام عدد أمداده . وهذا قول حسن احتاط فيه لأنه قد تكون قيمة الصيد من الطعام قليلة ، فبهذا النظر يكثر الاطعام . ومن أهله العلم من لا يرى أن يتجاوز في صيام الجزاء شهرين ، قالوا : لأنها أعلى الكفارات . واختاره ابن العربي . وقال أبو حنيفة رحمه الله : يصوم عن كل مدين يوما اعتبارا بفدية الأذى .